الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

252

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

أنه كما يحصل الامتثال بالإتيان بالفرد الواحد لحصول الطبيعة به كذا يحصل بالأفراد المتعددة من حيث حصول الطبيعة في ضمنها فيكون الإتيان بالأفراد المتعددة امتثالا واحدا كالإتيان بالفرد الواحد حسبما مر تفصيل القول فيه ثانيها أنه لو أتى بتلك الأفعال دفعة لم يكن أداء المكلف به إلا بواحد منها حسبما يقتضيه التكليف المذكور على ما قررناه فلا يتصف بالوجوب إلا واحد منها ويحتمل القول باتصاف جميع ما يأتي به من تلك الأفعال بالوجوب على نحو اتصاف نفس تلك الأفعال فكما أن كلا من الأفعال المفروضة واجبة على المكلف بالوجوب التخييري بالمعنى المتقدم فكذا كل ما أتى به منها دفعة متصف بالوجوب بالمعنى المذكور فيكون كل واحد مما أتى به مطلوبا صحيحا واجبا بالوجوب التخييري ويحتمل أيضا أن يقال بوجوب الجميع من حيث أداء الواجب به بناء على أن الواجب هو القدر الجامع من تلك الأفعال وهو كما يحصل بالإتيان بكل واحد منها كذا يحصل بالإتيان بالجميع المجموع على نحو سائر الطبائع الحاصلة في ضمن الواحد والمتعدد ويستفاد من علامة رحمه الله اختيار احتمال الأول حيث ذكر في النهاية في جواب ما قرره الخصم فيما إذا أتى بالجميع دفعة أنه هل يستحق الثواب على الجميع وأنه هل ينوي الوجوب بفعل الجميع وأنه لو أخل بها أجمع هل يستحق العقاب على ترك كل واحد منها فقال إنه يستحق على كل فعل منها ثواب المخير لا المضيق بمعنى أنه يستحق على فعل أمور كان يجوز له ترك كل واحد يشترط الإتيان بمصاحبه لا ثواب فعل أمور كان يجب عليه إتيان كل واحد منها بعينه ثم ذكر أن الحال كذلك في الثاني وقال في الثالث إنه يستحق العقاب على ترك أمور كان مخيّرا في الإتيان بأيّها كان وترك أيّها كان يشترط إتيان صاحبه فإن الظاهر مما ذكره صحة الإتيان بالجميع ووقوع تلك الأفعال واجبا لكن بالوجوب التخييري مستحقا عليها أجر الواجب المخير أعني المشتمل على جواز الترك إلى بدل وقال في التهذيب في جواب احتجاج من زعم أن الواجب واحد معين بأنه إذا فعل الجميع فإما أن يسقط الفرض بالجميع فيلزم القول بوجوب الجميع وهو خلف أو يسقط بكل واحد منها فيلزم اجتماع العلل على المعلول الواحد إلى آخر ما ذكر والجواب أن هذه معرفات فظاهرها اختيار اتصاف الجميع بالوجوب التخييري وسقوط الواجب بكل منها على نحو ما يستفاد من النهاية وقد ذكر السيد العميدي في المنية هذا الجواب من دون إيراد عليه فظاهره القول به أيضا إلا أنه قال ويمكن الجواب باختيار القسم الأول والمنع من لزوم وجوب الجميع على سبيل الجمع على تقديره وإنما يلزم ذلك لو لم يسقط الفرض إلا بالجميع لكن لا يلزم من سقوط الفرض به عدم سقوطه بغيره والحق أن السقط للفرض شيء واحد وهو الأمر الكلي الصادق على كل واحد من الأفراد وكون المجموع أو كل واحد من أفراده مسقطا إنما هو لاشتماله على ذلك الأمر الكلي لا بخصوصه وظاهر ذلك بل صريحه اختيار الاحتمال الثاني وأنت خبير بوهن الوجهين أما الأول فبأنه وإن اتصف كل من الأفعال المفروضة بالوجوب التخييري على الوجه المذكور إلا أن الخروج عن عهدة ذلك التكليف إنما يكون بفعل واحد منها حسبما عرفت فكيف يصح القول باتصاف الجميع بالوجوب مع عدم حصول الامتثال وأداء الواجب إلا بواحد منها وغاية ما يلزم من وجوب الجميع على الوجه المفروض صلوح كل من تلك الأفعال أداء للواجب وذلك لا يقضي بحصول الامتثال بكل منها على ما هو الشأن في الواجبات التعينية وأما الثاني فبأن الأمر الكلي الملحوظ في المقام ليس إلا مفهوم أحدها وقد عرفت أنه لا يصدق على المجموع قطعا وإنما يصدق على الآحاد على سبيل البدلية فكيف يجعل الجميع مصداقا له كالآحاد ومجرد كونه كليّا لا يقضي بصدقه على الكثير كصدقه على البعض حسبما قرر ذلك في الأوامر المتعلقة بالطبائع الكلية والحاصل أن المفهوم المذكور ملحوظ على وجه لا يصدق إلا على فعل واحد لكن ذلك الفعل يدور بين تلك الأفعال فبملاحظة ذلك يقتضي المفهوم المذكور على كل من تلك الأفعال وإذا أتى بأيّ منها قضى بالأجزاء ولا يعقل صدقه على المتعدد أصلا ولو سلمنا أنه كسائر الطبائع الكلية يصدق على الواحد والكثير فالقول بحصول الامتثال هناك بالكثير محل نظر مرت الإشارة إليه في بحث المرة والتكرار ثالثها أنه إذا أتى بما يزيد على الواحد فإن أتى به تدريجا فلا إشكال في صحة الأول وحصول الأجزاء به وكان إتيانه بالباقي على وجوه امتثال الأمر المفروض بدعة محرمة كما مر بيانه وعلى غير تلك الجهة لا مانع منه كما إذا ثبت هناك رجحان لذلك الفعل من الخارج أو لم يكن الرجحان ملحوظا فيه فيما إذا لم يكن من العبادات وأما إذا أتى بها دفعة فإن كان إتيانه بالزائد سائغا مشروعا فلا إشكال ظاهرا في الصّحة وحصول الامتثال ويكون الواجب حينئذ أحدها الدائر بينها على سبيل البدلية فإن قلت إن نسبة أحدها على الوجه المفروض إلى كل واحد منها على وجه واحد فإما أن يجب الكل ويكون كل منها أداء للواجب وقد عرفت فساده وإما أن لا يجب الكل فالواجب منها حينئذ إما واحد معين ولا وجه له أيضا لانتفاء المرجح للتعيين وبطلان الترجيح بلا مرجح أو واحد غير معين وهو غير ممكن أيضا لوضوح عدم اتصاف غير المعين بالوجوب مع سلبه عن كل واحد واحد بالخصوص فكيف يصح القول باتصاف أحدها بالوجوب مع بطلان الوجوه الثلاثة قلت قد اختار بعضهم في المقام حصول الامتثال بأكثرها ثوابا حيث حكم باستحقاقه ثواب أعلاها وأكثرها ثوابا واختاره السيد في الذريعة وقال الشيخ في العدة بعد ما حكم بعدم لزوم بيان ذلك إن ما يعلمه اللّه أنه لا يتغير عن كونه واجبا إذا فعله مع غيره يثيبه عليه ثواب الواجب واستحق العقاب بترك ذلك بعينه ومحصله كون المثاب عليه والمعاقب عليه متعينا حينئذ في الواقع وفي علمه تعالى غير معين عندنا فيكون الواجب المبرئ للذمة أيضا كذلك وهو غريب بعد اختياره ووجوب الجميع وقوله بعدم الفرق بين تلك الأفعال في الوجوب والمصلحة القاضية به وقد عرفت مما حكيناه عن علامة رحمه الله والسيد العميدي ظهوره في اتصاف الجميع بالوجوب بل كلام الأخير صريح في أداء الواجب حينئذ بالكل وهذه الوجوه كلها ضعيفة وقد ظهر الوجه في ضعفها مما قررناه ولا حاجة إلى التفصيل والذي يقتضيه القاعدة في المقام هو القول بأداء الواجب بواحد منها لما عرفت من أن قضية التكليف المفروض حصول الواجب بفعل واحد من تلك الأفعال ولا اقتضاء فيه لتأدي ما يزيد على الواحد فلا وجه للقول بحصول الامتثال بالجميع غاية الأمر أن يدور ذلك الواحد بين تلك الأفعال الصّادرة من المكلف لصلوح كل منها أداء للواجب من غير فرق بينها فيكون تأدي الواجب في المقام بواحد منها من غير أن يتعين ذلك بواحد معين منها نظرا إلى انتفاء ما يفيد تعيينه بحسب الواقع ولا يمنع ذلك من حصول